أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
282
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فإنه إنما رفع هناك ، لأن الناصب هناك « سخّر » ، وهو قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ « 1 » ، فلو نصب « النُّجُومَ » و « مُسَخَّراتٍ » لصار اللفظ : سخّرها مسخّرات ، فيلزم التأكيد ، فلذلك قطعهما عن الأول ورفعهما جملة مستقلة . والجمهور يخرجونها على الحال المؤكدة ، وهو مستفيض في كلامهم ، أو على إضمار فعل قبل « وَالنُّجُومَ » ، أي : وجعل النجوم مسخّرات ، أو يكون « مُسَخَّراتٍ » جمع مسخر المراد به المصدر ، وجمع باعتبار أنواعه ، كأنه قيل : وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم تسخيرات ، أي : أنواعا من التسخير . وقوله : بِأَمْرِهِ متعلّق ب « مُسَخَّراتٍ » أي : بتيسيره وإرادته لها في ذلك ، ويجوز أن تكون الباء للحال ، أي : مصاحبة لأمره غير خارجة عنه في تسخيرها . وقوله : لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ يجوز أن يكون مصدرا على بابه ، وأن يكون واقعا موقع المفعول به . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 55 إلى 56 ] ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وقوله : تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً . نصب على الحال ، أي متضرعين مخفين الدعاء ، ليكون أقرب إلى الإجابة ، ويجوز أن ينتصبا على المصدر ، أي : دعاء تضرع وخفية . وقرأ أبو بكر « خفية » بكسر الخاء ، وقد تقدم ذلك في الأنعام « 2 » ، إلّا أن كلام أبي علي يرشد إلى أن « خفية » بالكسر بمعنى الخوف ، وهذا إنما يتأتى على ادعاء القلب ، أي : يعتقد تقدم اللام على العين ، وهو بعيد ، ولأنه كان ينبغي أن تعود الواو إلى أصلها ، وذلك أن « خُفْيَةً » ياؤها عن واو ، لسكونها وانكسار ما قبلها ، ولما أخرت الواو تحركت وسكن ما قبلها ، إلّا أن يقال : إنها قلبت متروكة على حالها . وقرأ الأعمش « وخيفة » ، وهي تؤيد ما ذكره الفارسي ، نقل هذه القراءة عنه أبو حاتم . وقرأ ابن أبي عبلة « إنّ اللّه » أتى بالجلالة مكان الضمير . قوله : خَوْفاً وَطَمَعاً . حالان ، أي : ادعوه ذوي خوف وطمع ، أو خائفين طامعين ، أو مفعولان من أجلهما ، أي : لأجل الخوف والطمع . قوله : « قَرِيبٌ » إنما لم يؤنثها ، وإن كانت خبرا عن مؤنث ، لوجوه ، منها : أنها في معنى الغفران ، فحملت عليه ، قاله النضر بن شميل واختاره أبو إسحاق . ومنها : أنها صفة لموصوف مذكر حذف وبقيت صفته ، والتقدير : إنّ رحمة اللّه شيء قريب . ومنها : أنها في معنى العفو ، أو المطر ، أو الرحم . ومنها : أنها على النسب ، أي : ذات قرب ، ك « حائض » ، أي : ذات حيض . ومنها : تشبيه فعيل بمعنى فاعل ، بفعيل بمعنى مفعول ، فيستوي فيه المذكر والمؤنث ، ك « جريح » ، كما حمل هذا عليه ، حيث قالوا : أسير وأسراء ، وقتيل وقتلاء ، حمل على رحيم ورحماء ، وعليم وعلماء ، وحكيم وحكماء ومنها : أنها مصدر ، جاء على فعيل كالنقيق ، وهو صوت الضّفدع ، والضّغيب ، وهو صوت الأرنب . وإذا كان مصدرا لزم الإفراد والتذكير . ومنها : أنها بمعنى مفعول ، أي : مقربة ، قاله الكرماني ، وليس بجيد ، لأن فعيلا بمعنى مفعول لا ينقاس ، وعلى تقدير اقتياسه فإنما يكون من الثلاثي المجرد ، لا من المزيد فيه ، و ( مقربة ) من المزيد فيه . ومنها : أنه من باب المؤنث المجازي ، فلذلك جاز
--> ( 1 ) آية ( 12 ) . ( 2 ) آية ( 63 ) .